الشيخ محمد مكي نصر الجريسي

82

نهاية القول المفيد في علم تجويد القرآن

أجيب : بأنه يمكن أن يفرّق بينهما بأنه لمّا كان أصل الإدغام أن يدغم الأضعف في الأقوى ليصير مثله في القوة ، أدغمت كلّ طاء ساكنة في تاء بعدها إدغاما غير مستكمل ، يبقى معه تفخيمها واستعلاؤها ؛ محافظة على قوة الطاء ، وأدغمت التاء الساكنة في طاء بعدها إدغاما مستكملا ، وجعل إبقاء صفة التفخيم والاستعلاء دالا على موصوفها كما في إبقاء صفة الغنة عند إدغام النون الساكنة والتنوين في الواو والياء ، فيكون التشديد متوسطا في الموضعين لأجل إبقاء الصفة . اه . وفي شرح الملّا علي القاري : وقال بعضهم : ومن العرب من يبدل التاء طاء ثم يدغم إدغاما مستكملا فيقول : « أحطّ » و « فرّط » بطاء واحدة مشددة مدغمة . قال شريح : وهذا مما يجوز في كلام الخلق لا في كلام الخالق عزّ وجلّ ؛ لأن كلام اللّه لا يجوز فيه التصرف على خلاف ما ثبت عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالطرق المتواترة في القراءات المشتهرة ، وأما في كلام المخلوقين فيتوسّع بكل ما جاء من اللغة . وبهذا يتبين أنه لم يرد في القرآن إبدال الطاء تاء وإدغامها فيها ؛ فيجب الاحتراز عنها . وأما الدال المهملة : فقد تقدم الكلام على مخرجها ونسبتها ، وهي حرف قوي ؛ لأنه مجهور ، شديد ، مقلقل ، مصمت ، منفتح ، مستفل ، وقد جمع بعضهم صفاتها في بيت فقال : للدال إصمات وجهر قلقلة * وشدّة فتح وسفل فاعقله فإذا نطقت بها فأعطها حقها واعتن ببيان جهرها ؛ إذ لولا الجهر الذي فيها لكانت تاء ، ولولا الهمس الذي في التاء لكانت دالا . ولهذا تجد كثيرا من الناس يلفظ بالدال كالتاء في نحو مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ( 4 ) [ الفاتحة : الآية 4 ] . وسبب ذلك عدم المحافظة على بيان جهر الدال ؛ فإن افتراقهما لا يحصل إلا بذلك ، ولأجل ما بين الدال والتاء من الاتحاد في المخرج والتشارك في أكثر الصفات وجب إدغام الدال إذا سكنت قبل التاء في كلمة واحدة نحو حَصَدْتُمْ [ يوسف : الآية 47 ] و أَرَدْتُمْ [ البقرة : الآية 233 ] و عُدْتُمْ [ الإسراء : الآية 8 ] و أَنَا راوَدْتُهُ [ يوسف : الآية 51 ] ، وكذلك إذا اجتمعا في كلمتين نحو قَدْ تَبَيَّنَ [ البقرة : الآية 256 ] و لَقَدْ تابَ [ التّوبة : الآية 117 ] و وَقَدْ تَعْلَمُونَ [ الصف : الآية 5 ] . وإذا سكنت الدال - سواء كان سكونها لازما أو عارضا - فلا بد من بيان قلقلتها وبيان شدّتها وجهرها ، فإن كان سكونها لازما سواء كان من كلمة أو كلمتين وأتى بعدها حرف من حروف المعجم - لا سيما النون - فلا بدّ من قلقلتها وإظهارها لئلّا تخفى عند